مؤتمر "الهجرة والجاليات" في أنقرة: المهاجرون قوة كامنة.. والإعلام أحد مفاتيح إيصال صوتهم

الأربعاء - 24 ديسمبر 2025

"إنسان للإعلام- إيمان سلامه:

في وقت تتصاعد فيه التحديات المرتبطة بملف الهجرة عالميًا، أكّد مشاركون في مؤتمر الهجرة والجاليات بأنقره أن المهاجرين، والتجمّعات البشرية التي تنتمي إلى شعب أو قومية واحدة تعيش خارج موطنها الأصلي (الدياسبورا) ، لا ينبغي النظر إليهم باعتبارهم عبئًا اجتماعيًا أو أمنيًا، بل قوة إنسانية واقتصادية وثقافية كامنة، يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة حقيقية إذا ما أُحسن توظيفها ضمن سياسات متوازنة وشاملة، ويمكن للإعلام أن يكون أحد المفاتيح الأساسية لإيصال صوتهم لصناع القرار.

وعقد وقف الهجرة والجاليات التركي مؤتمره السنوي في أنقرة، يوم الخميس 18 ديسمبر/كانون الأول 2025، تحت عنوان «الهجرة، الجاليات والدبلوماسية»، بمشاركة مسؤولين حكوميين، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني، وأكاديميين، وفاعلين في قضايا الهجرة والعمل الإنساني، إضافة إلى حضور لافت من أبناء الجاليات العربية وغير العربية المقيمة في تركيا.

حضور رسمي ونقاشات متعددة الزوايا

وشهد المؤتمر حضور ضيفي الشرف ليمان يني كون نائبة وزيرة العائلة والخدمات الاجتماعية في تركيا، وبولنت توران نائب وزير الداخلية، إلى جانب شخصيات رسمية وإعلامية وناشطين، ما أضفى على الفعالية طابعًا رسميًا ومجتمعيًا في آن واحد.

وافتُتحت أعمال المؤتمر بعرض فيلم تعريفي تناول رسالة الوقف ورؤيته القائمة على الأخوّة الإنسانية والانفتاح على جميع الشعوب، تلاه تنظيم عدد من الندوات الحوارية، من أبرزها ندوة بعنوان «تأثير الجاليات في صُنّاع القرار»، ناقشت أدوار "الدياسبورا" في التأثير على السياسات العامة، وبناء جسور التواصل بين الدول والمجتمعات.

ورش عمل لصياغة سياسات واقعية

وفي تصريح خاص لمركز «إنسان للدراسات الإعلامية»، أوضح رجب سيّار، مؤسس وقف الهجرة والجاليات، أن المؤتمر لم يقتصر على الطرح النظري، بل ركّز بشكل أساسي على ورش عمل تطبيقية حول سياسات الهجرة.

رجب سيار رجب سيار

وقال "سيّار" إن هذه الورش قُسّمت إلى طاولات عمل، ضمّت كل واحدة منها خمسة مشاركين ناقشوا خمسة محاور مختلفة من سياسات الهجرة، بمشاركة ممثلين عن جمعيات تركية معنية بالهجرة، وأكاديميين من الجامعات، إضافة إلى أفراد من الجاليات العربية وغير العربية المقيمة في تركيا.

وأضاف أن الهدف من هذا النموذج هو إشراك من يعيشون المشكلة بشكل مباشر في النقاش وصياغة الحلول، بدل الاكتفاء بمقاربات نظرية بعيدة عن الواقع، مؤكدًا أن الحوار جمع مختلف الأطراف المعنية للوصول إلى تصورات عملية قابلة للتنفيذ.

الهجرة… بين التحديات والفرص

وأشار سيّار إلى أن النقاش حول الهجرة غالبًا ما يركّز على المشكلات فقط، مثل اللغة والتعليم والإسكان وصعوبات الاندماج المجتمعي، مؤكدًا أن المؤتمر سعى إلى كسر هذا النمط من التفكير، والانتقال إلى الحديث عن قوة الجاليات والفرص التي تتيحها الهجرة.

وأوضح أن ربط مفهومي الجاليات والدياسبورا بالهجرة يسمح بالوصول إلى مقاربة أكثر توازنًا في السياسات العامة، مضيفًا: "الهجرة ليست سببًا للمشكلات دائمًا، بل تحمل في طياتها فرصًا حقيقية لكل البلدان".

وضرب مثالًا تاريخيًا على ذلك بالإشارة إلى أن أول مطبعة أُنشئت في تركيا أسسها مهاجر من المجر، معتبرًا أن تاريخ تركيا حافل بنماذج مشابهة أسهم فيها مهاجرون في نقل المعرفة وبناء الاقتصاد.

وأضاف: «من يعيشون اليوم في شوارعنا وأحيائنا يتنفسون الهواء ذاته، ويواجهون المشكلات نفسها، ويسعون إلى الحياة الكريمة نفسها، ونحن في النهاية نعيش المصير ذاته".

أرقام صادمة وواقع إنساني

من جانبها، قالت الصحفية عائشة مزين تاشجي، رئيسة قسم التواصل النسائي في وقف الهجرة والجاليات، إن أحدث البيانات العالمية تشير إلى أن أكثر من 102 مليون شخص حول العالم يعيشون اليوم كمهاجرين ولاجئين بسبب الحروب والاضطهاد والصراعات.

عائشة مزين تاشجي

          عائشة مزين 

وأوضحت أن من بين هذا العدد الكبير نحو 28 مليون طفل مهاجر، كثير منهم أُجبروا على ترك أوطانهم وهم مثقلون بالخوف من الماضي، ويسلكون طرقًا محفوفة بالمخاطر بحثًا عن الأمان.

وأضافت أن تركيا تستضيف قرابة أربعة ملايين شخص من جنسيات مختلفة، قدموا لأسباب متعددة، أبرزها النزاعات المسلحة، مؤكدة أن تأسيس الوقف جاء استجابة لهذه الوقائع، بهدف جعل ظروف معيشتهم أكثر إنسانية، وتحويل خبراتهم وقدراتهم إلى قيمة مضافة للمجتمع التركي.

تمكين واندماج دون طمس الهوية

وبيّنت "مزين" أن الوقف يعمل على تمكين المهاجرين من الاستفادة من إمكانات البلد المضيف، والعيش فيه بشكل منسجم، دون خوف من جذورهم أو هوياتهم، مع السعي إلى إنتاج سياسات تساعدهم على الاندماج، وتتيح لهم الوصول العادل إلى التعليم والخدمات العامة والعمل.

وقالت: إن الوقف لا ينظر إلى المهاجرين بوصفهم فئة بحاجة إلى المساعدة فقط، بل كشركاء محتملين في التنمية وبناء المجتمع، إذا ما توفرت البيئة القانونية والاجتماعية الداعمة.

إيصال الصوت إلى صُنّاع القرار

وبمناسبة اليوم الدولي للمهاجرين الذي يصادف 18 ديسمبر، أوضحت "مزين" أن المؤتمر تضمن تنظيم ورش عمل خاصة هدفت إلى فهم المشكلات التي يواجهها المهاجرون داخل تركيا وخارجها، والعمل على نقلها بشكل مباشر إلى الجهات المعنية.

وشارك في هذه الورش مسؤولون وصنّاع سياسات وأكاديميون، إضافة إلى ممثلين عن مجموعات المهاجرين أنفسهم، الذين عرضوا معاناتهم وتجاربهم دون وسيط، في تجربة وصفتها بأنها نموذج عملي للحوار التشاركي.

وأكدت أن الوقف قام بدور الوسيط بين المهاجرين وصُنّاع القرار، وخرج في ختام المؤتمر بتقرير شامل، من المتوقع أن يساهم في تسهيل الإجراءات الإدارية، وصياغة سياسات أكثر عدلًا وفعالية لمجتمعات المهاجرين.

الإعلام… شريك في بناء الوعي

وفي ختام حديثها، شددت "مزين" على أن الإعلام يؤدي دورًا محوريًا في الوصول إلى مجتمعات "الدياسبورا"، سواء داخل تركيا أو خارجها، مؤكدة أن التغطيات الإعلامية المتخصصة في قضايا الهجرة تشكل دعمًا أساسيًا لجهود الوقف، وتسهم في تصحيح الصور النمطية وبناء جسور تواصل فعّالة بين المجتمعات المختلفة.

وأضافت أن الإعلام الواعي والمسؤول هو أحد المفاتيح الأساسية لتحويل السياسات إلى وعي مجتمعي، وإيصال صوت المهاجرين إلى من يملكون القدرة على إحداث التغيير.