حراس الحرية أم حراس السلطة؟

الأحد - 28 ديسمبر 2025

- أ. د. سليمان صالح
( أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة )

د. سليمان صالح

لعل شعب مصر عرف الآن ما كان يقصده قائد الانقلاب عندما وعد بأن يجعل هذا الشعب يرى ما لم يره أحد، وقد وقف الخلق ينظرون جميعًا إلى مصر، وشعبها يتعرض للقهر، فلا يستطيع التعبير عن شعوره بالحسرة والحزن.

تأمل معي المشهد، حيث وقف عدد من الأئمة من خريجي الأزهر بعد أن تم إعدادهم لوظيفة الدعوة والإمامة والخطابة في المساجد، وهم يحتفلون بتخرجهم من دورة عسكرية، وكانت وقفتهم تشير إلى نجاحهم في استيعاب أصول وقفة العسكر أمام قادتهم صامتين؛ وقد وضعوا أيديهم إلى جانبهم في صف منضبط يشير إلى الطاعة العمياء، وقدرتهم على تنفيذ الحكمة العسكرية التي تقول: "أطع الأوامر ونفذ ثم تظلم"، وهذا يؤكد أنهم سيقومون بتنفيذ كل ما يصدر لهم من أوامر من السلطة، وسيسمع المصلون في المساجد منهم التبرير الديني لكل أوامر السلطة وقراراتها وظلمها.

وظيفتكم حراسة الحرية!

أما قائد الانقلاب فقد قام مقام المعلم الذي يوضح لهم وظيفتهم في الحياة، وأنهم ليسوا حراس العقيدة أو الشريعة، ولكنهم حراس الحرية!

حسنًا.. الحرية تفتح الآفاق أمام الناس ليعبروا عن آرائهم، ويختاروا نوابهم وحكامهم، ويتمتعوا بكل حقوق الإنسان، ومن أهمها حرية الإعلام ونشر الكتب والاجتماعات العامة والتظاهر وتشكيل الأحزاب السياسية والانضمام إليها، وهذه الحرية هي التي تدفع الشعب للابتكار والإنتاج وتحقيق الاستقلال والتقدم، ورفض التبعية للسلطة وللاستعمار، وتغيير الواقع والثورة ضد الظلم.

كما تعني الحرية أن يكون للشعب برلمان يشرع القوانين التي تحمي حرياته وحقوقه، وتكفل ألا تقوم السلطة بالجور على هذه الحقوق، كما يحاسب الحكومة ويراقبها ويكشف فشلها.

كما تعني الحرية أن يكون للشعب وسائل إعلام توفر له المعرفة والمعلومات، وتدير المناقشة الحرة، وتكشف سوء استغلال السلطة، وتحرس مصالحه ضد الفساد والاستبداد.

هذه هي الحرية التي تحقق التقدم والديمقراطية والعدالة والاستقلال، وتحمي سيادة الشعب والقانون.

المفهوم الانقلابي للحرية

لكن من الواضح أن قائد الانقلاب لا يقصد الحرية بهذا المعنى؛ فقد حرم الشعب المصري من كل الحريات العامة والخاصة، وانتهك كل حقوقه، وسجن السياسيين والبرلمانيين، وقامت أجهزة أمنه بتعذيب واضطهاد كل من عبر عن رأي مستقل، أو دافع عن حق دولة مصر في الاستقلال الشامل أو رفض التبعية للغرب.

دراسة واقع مصر توضح أن قائد الانقلاب يريد من الأئمة الذين تم تدريبهم عسكريًا أن يحرسوا حرية الذين يهاجمون العقيدة والشريعة الإسلامية ويشوهون التاريخ الإسلامي، فبعد أن ألقى خطابه ووجه الأئمة لحراسة الحرية انطلق الجهلاء يشككون في صحة التاريخ الإسلامي ورموزه، خاصة خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، ويدعون كذبًا أن هناك الكثير من "الغث" في الفكر الإسلامي منذ 14 قرنًا.. لماذا؟!!

العقلانية المادية وتغييب الوعي

لا تتفق الكثير من أحداث التاريخ الإسلامي مع العقلانية المادية لعملاء الاستعمار الثقافي، فعقولهم "المتنورة" لا تستوعب أن يواجه خالد بن الوليد بثلاثة آلاف من المؤمنين جيش الروم الذي يزيد عدده على 200 ألف، ولذلك أصبحوا ينقلون من كتب المستشرقين، لكنهم حتى الآن يقتصرون على التشكيك في صحة التاريخ تمهيدًا للانطلاق إلى التشكيك في صحة العقيدة.

ولم يجرؤ أحد من الأئمة الذين طالبهم قائد الانقلاب بحراسة الحرية على الدفاع عن رموز الإسلام، أو التعبير عن رأيه، وممارسة حريته في شرح الحقائق التي تثير الاعتزاز بالهوية الإسلامية في نفوس الجماهير التي فقدت الدنيا، وعضها الفقر بأنيابه السوداء.

وقائد الانقلاب يريد من الأئمة أن يحرسوا حرية الذين يجاهرون بإلحادهم والعداء للإسلام، لكنه لا يريد أن يدافع أحد عن الإسلام الذي يحقق للإنسان الحرية والعدل، ويصلح الدنيا بالدين، ويحمي حق الإنسان في الإيمان بالله الواحد الأحد، وينظم السياسة والاقتصاد والاجتماع وحياة الناس، ويفتح الطريق أمام الإنسان ليعبد الله ويعمر الأرض.

الأئمة يخافون من جور السلطة

وقائد الانقلاب يريد من الأئمة العسكريين أن يدافعوا عن حرية السلطة في قهر الشعب وفرض الخضوع عليه، وقبول الفقر والذل، ولم يجرؤ حتى الآن إمام على استنكار سجن الآلاف من العلماء وتعذيبهم، ومن المؤكد أن كل الأئمة يعرفون ما يتعرض له المعتقلون من تعذيب لأنهم رفضوا الانقلاب الذي اغتصب الحكم وأسقط التجربة الديمقراطية، وحكم باستخدام القوة الغاشمة التي ملأت قلوب الناس خوفًا ورعبًا.

ومن المؤكد أنه لا يستطيع الأئمة استنكار تزوير الانتخابات، أو الدفاع عن حرية الشعب في اختيار النواب، فليست تلك هي الحرية التي تريد سلطة الانقلاب لهم أن يحرسوها!

الشجاعة التي تدفع إلى المهالك

لكن هل يمكن أن نطالب الأئمة بشجاعة تدفعهم إلى المهالك، بينما لا يستطيع الإعلاميون ممارسة مهنتهم في كشف الحقائق، وحماية المجتمع من الفساد؟! فأي فساد أكبر من تزوير الانتخابات؟! وفي كل دول العالم تُعد جريمة مخلة بالشرف تفقد من يرتكبها الأهلية، ومن يصمت على تلك الجريمة لا تُقبل شهادته.

لم يجرؤ الإعلاميون على الكلام عن هذه الجريمة إلا عندما طالب قائد الانقلاب بإلغاء نتائج بعض الدوائر التي شهدت احتجاجات، فهلل الإعلاميون مدحًا في حكمته، وأشادوا بالقرار، ثم صمتوا؛ فالمحاكم قررت إعادة الانتخابات في عدد قليل من الدوائر بينما يعلم الجميع يقينًا أن الانتخابات كلها مزورة، وأنه تم هندستها ليصل إلى البرلمان من يسمع كلام السلطة ويطيعها دون مناقشة.

الإعلاميون فقدوا الحرية!

عجز الإعلاميين عن كشف تزوير الانتخابات، والدفاع عن حقوق الشعب يوضح للعالم أن الإعلاميين المصريين فقدوا الحرية، وأدركوا أن الشجاعة في عهد الانقلاب تقود إلى المهالك، وأن الصمت هو باب النجاة الوحيد، فألقوا أقلامهم، ووضعوا أيديهم إلى جانبهم تمامًا كما فعل الأئمة الذين تم تدريبهم عسكريًا، فالسلطة تملك القيود والسجون التي تمارس فيها أبشع أشكال التعذيب.

والنواب الذين انتخبهم الشعب في أول انتخابات حرة نزيهة عام 2011 يرزحون الآن في أغلالهم، ويضربون عن الطعام في زنازينهم الانفرادية بعد أن تم حرمانهم من الغذاء والدواء، ولم يجرؤ أحد من الإعلاميين على الدفاع عنهم، رغم أن العالم يعرف أنهم الممثلون الحقيقيون لشعب مصر، وأن جريمتهم أنهم يحلمون بالعدل والحرية والديمقراطية والتنمية والاستقلال الشامل.

أما النواب الذين أفلتوا من قبضة السلطة فقد أصبحوا مشردين في بلاد الله الواسعة، ويهددهم المتحدثون باسم السلطة في البرامج التلفزيونية أنهم لن يحصلوا بعد موتهم على قبور في مصر، ولن يحتضن تراب مصر أجسادهم حتى بعد الموت، لذلك فإن النواب المعتقلين أسعد حالًا.

أين الحرية التي يحرسها الأئمة؟!

هل يدرك الأئمة الذين طالبهم قائد الانقلاب بحراسة الحرية أن هناك حالة ظلم عام يعيشها شعب مصر الذي فقد مع الحرية الأمن والعدل، وتدهور حال التعليم بعد أن أصبحت أجهزة الأمن تحكم الجامعات، وفُصل الأساتذة الذين تحدثوا عن الحرية؟! فأين تلك الحرية التي يُطالبون بحراستها؟!

والشعب كان يدافع عن حرية الإعلاميين عندما كان يعلق الآمال عليهم بتوفير المعرفة، وعندما قدموا أنفسهم أنهم وكلاء الديمقراطية.. أما الآن بعد أن صمتوا عن انتهاك حقوق الإنسان، وانتهاك أجهزة الأمن لحرمة البيوت والعقول والأعراض والأموال، فلماذا يدافع الشعب عن حريتهم؟!!

فهل يدرك الإعلاميون والأئمة وأساتذة الجامعات أنهم يجب أن يتضامنوا للدفاع عن حرية الشعب بمعناها الحقيقي، وحماية حرية الشعب في بناء نموذج ديمقراطي يحقق لمصر الاستقلال الشامل؟

الحرية ليست في الهجوم على الإسلام، بل في الدفاع عن حقوق الإنسان، وأولها حقه في الإيمان بالإسلام الذي يقيم الحكم العادل والشورى، ويحمي الكرامة الإنسانية، ويقاوم الاستعمار والاحتلال والتبعية والاستبداد.. فهل نبدأ معًا مرحلة كفاح جديدة لتحقيق الحرية؟